هل الخط العربي فـــن أم حرفـــة ?


غير خاف، أن الكتابة الخطية ـ أو التخطيطية ـ وجه من وجوه الحضارة، على اعتبار أن هذه الأخيرة تعبر عن وجودها بأشكال جمالية وفكرية مختلفة، في انتصار للأسس الثقافية المميزة ، وأيضا اجتراح ممكنات جمالية لتعميق اللمسة الفنية ، قصد الإضافة للثقافات الإنسانية . في هذا الصدد ، فالخط يشتغل أساسا على اللغة والسعي الحثيث لإخراج الحروف في هندسات مختلفة ، تكتسي معناها من البيئات والمخزون الثقافي، هذا فضلا عن خلفيات الفنانين أو الخطاطين الممتدة عبر يد ماهرة للخلق أو إعادة تشكيل الحروف وفق أرضيات ورؤى خلاقة لا تقول الحرف وحده ، بل يكون هذا الأخير كتعلة أو قناة لتمرير مشاعر وقلق تجاه هذا الآخر المحتضن للفعل . وعليه ، فالخط العربي فن وتصميم الكتابة، وبالتالي تعددت وتنوعت الخطوط وفق أشكال لها خصائص جمالية تطوي على حس الشكل ورونق الهندسة ضمن نسق بديع. لكن، لا ينبغي غض النظر عن البدايات في فن الخط التي كان مبعثها المعرفة والتعلم ، بل أحيانا الحاجة والضرورة في نزوعها المادي . بعد ذلك وضعت للخط قوانين وأسس موضوعية وعلمية تطورت بفعل التدرج التاريخي والثقافي على ممر العصور إلى أن أصبح الخط المتعدد والمتنوع فنا قائم الذات، في صلة جدلية بالفنون الأخرى، وبالأخص البصرية منها .

ودون الغوص في البدايات المثيرة للجدل دائما، يمكن الإقرار أن الخط العربي نشأ في جدل مع أركان الشريعة الإسلامية ، وبالأخص الوسائط الإلهية الممثلة أساسا في القرآن والحديث الشريف ، فتم تداوله عبر النسخ والرسائل، ومنها رسائل الرسول (صلى الله عليه وسلم ) إلى ملوك الروم والفرس..وهو ما يثبت أن مجيء الإسلام توحدت معه اللهجات بنزول القرآن على لهجة قريش ، فانتشرت في فجر الإسلام خطوط متعددة ( الحيري ، الأنباري ، المكي ، الكوفي ، البصري ..) . تبعا لهذا المعطى التاريخي والثقافي ، تعددت أسماء الخطوط تبعا لأسماء مدن ( النبطي ، الكوفي ، الحجازي ، الفارسي ) أو أسماء مبدعين كالياقوتي والريحاني والغزلاني.. أو نسبة لمقادير الخط نذكر هنا خط الثلث ، النصف..أو نسبة للأداة التي تسطره ، هذا فضلا عن هيئة الخط ( خط المسلسل مثلا ) .

نحن إذن أمام تعدد في مادة الاشتغال، وقد ساهم في ذلك التكوين ، تشابك السياقات وضرورات سياسية ودينية واجتماعية ؛ دون نفي الوجه الآخر في استعمال الخط ، أي انتشاره كحرفة لأن الخط على صلة باليومي المعيشي كنافذة تواصلية . وفي نفس الآن ، نستحضر التطورات الإلكترونية الراهنة التي سعت إلى تعويض اليد بواسطة تشكيل بصري ، يقتضي الادراك والتفكير البصري في هندسة الحروف. لكن هذه التطورات قد لا تؤثر على الجوانب الفنية المغلفة بالقيم الفكرية والروحية للإنسان، من خلال حميمية اللقاء بين اليد والحرف، ضمن أفق تخييلي ورؤيوي ما. وهو ما يقتضي على مدار هذه الورقة، بسط بعض الخصائص الفنية والجمالية للخط، في استحضار لمظاهر تسيء إليه، وتسعى لتسليعه، في غمرة الاستهلاك الذي طال كل شيء .

جماليات الخط العربي :

ارتبط فن الخط كضرورة جمالية بالأرابيسك كتجليات زخرفية لمركزة بعض الأماكن كفواعل اجتماعية ودينية منها المساجد والعمارة الإسلامية . وبالتالي ، فهذا الخط ، في صوره الجمالية ، يسعى إلى تقديم المكان عبر حلة أساسية تسعى إلى استنطاق الجدران حتى تبدو منخرطة في فعل الإنسان وأفقه . في هذا السياق فالخطوط تتنوع في تشكلها وشكلها تبعا للنوع والبيئة؛ هذا فضلا عن خلفية الفنان. فكلما كانت هذه الأخيرة ندية وثرة بالمعطيات والأسئلة إلا وأضافت لمسات تدل على اليد التي عبرت الخط على الجدران أو المخطوط ..وفي المقابل قد يؤدي ذلك إلى إدراك بصري ناتج عن مثيرات حسية، من خلال تفاعلنا البصري مع الخطوط ؛ وأحيانا دون الارتهان للقواعد الخطية .

ولا شك أن اللغة العربية تمنح بعض الصفات، لتغدو هندسة الحروف مطواعة ومنفتحة على أشكال إبداعية، تعبيرا عن جماليات وممكنات فنية منها المرونة والمطاوعة وقابلية الخطوط العربية للتشكيل، هذا فضلا عن المقياس والنسب . الشيء الذي أكسب الكتابة العربية أشكالا هندسية متنوعة من خلال لمسات المد والاستدارة ، إضافة إلى الرجع والتشابك ..وبذلك فالمألوف في اللغة ماثل في جميع الحروف المتوازنة بكيفية عادية . ويبدو الإبداع الخطي متجليا في خلق ذاك التناسق بين الحروف ضمن إطار ما . إنه تناسق يؤلف بين جميع فروق النوع كقطعة موسيقية أو لوحة تشكيلية أو قصيدة..ويغلب الظن أن هذا التناسب بين الخط والنقطة والدائرة استخدم بصيغ مختلفة في الفنون التشكيلية ، من خلال عناصر الخط والكتلة والحركة السارية بين الخليط المتشكل. لكن يبدو ذلك في تشكيل الخطوط أكثر حدة ودقة ، لأنه لا يمكن تحقق الإبداع والخلق دون قواعد خاصة. كأن الفنان الخطاط يقوم بترويض الكتابة من خلال تموجات وتقطيعات ، لتقول أشياء وأشياء . ولعل الشيء الأجمل، أن الحروف العربية تجلي بواطنها المعبرة عن أسس الانتماء للحضارة العربية واللغة أبرز مظهرها الثقافي والوجودي .

أكيد أن الخط العربي يؤصل للهوية العربية الإسلامية كفن روحاني يستند في ممارسته على خصائص فنية مرنة ، في حاجة دائمة إلى الإضافة والتطوير كالارتفاع والدوران والميلان ضمن مجال حرفي مؤثث ؛ لأن الحرف يكره الفراغ . وغير خاف ، أن الارتفاع من خلال الألف يوغل في السمو على أدراج سفر تكويني؛ والدوران ضمن الدائرة كإقامات في الحياة والوجود . فتعددت اللمسات الفنية التي تنبني على الاتزان الخطي الممثل في الدقة وضبط الحروف . هذا فضلا عن التناسب الخطي الجلي في تصميم الحروف وهندستها . فالخط العربي بهذا الصنيع الفني ليس نقلا فوتوغرافيا للحروف ، بل يعيد تشكيلها من جديد ، لتغدو أدوات تسبر الوجود والكون .

الخط العربي وسوء الفهم :

يغلب ظني أن الطفيليات معروفة بأشكال مختلفة ضمن أي فن، وهي عناصر مدسوسة تبعد الشرط الفني والجمالي من اهتمامها. في هذا الصدد، يمكن الحديث عن الخط كفن يلتزم بضوابط دون تقليد. ولكنها ضرورية للصقل والإبداع الخلاق الذي يضيف . وفي نفس الآن تعترضنا فئة من الخطاطين التي تسند التقليد التقني بدواعي الفطرة أو الحاجة الاجتماعية كالفقر..فترى الخطوط منتشرة في كل مكان ؛ لكن الكثير منها مشوه وخال من القيم الفنية والفكرية، الشيء الذي يقتل الحروف في حروفها . ويقدم صورة مشوهة عن اللغة العربية كأجمل أشكال التعبير والكتابة بين الحضارات الإنسانية . فالخط لا يقتضي اليد فقط ، بل الفكرة أيضا، في تلازم تفاعلي خلاق .

الخطاط فنان بكل تأكيد ، وليس حرفيا . وهو ما يقتضي الاهتمام بوضعيته ،نظرا للتحولات المتسارعة التي بإمكانها أن تزحف على الخط العربي حين لا ندرك المخاطر التي تكبر يوما على صدر يوم ، منها غياب المبادرات من طرف المؤسسات الثقافية العامة والخاصة . بالإضافة إلى عدم الاحتضان والتفاعل اللازم من قبل الجمهور الذي لا يملك ثقافة جمالية بصرية. وبالتالي الخضوع لغزو الصورة. وهو ما يقتضي تنمية الحس لدى الناشئين والمتعلمين من خلال التربية على الفن وإقرار مادة الخط ضمن البرامج والمقررات التعليمية . وفي نفس الآن فمن الضروري أن يكون الخطاط مزودا بإطارات فنية معاصرة تغني خلفيته التقليدية في الخط العربي . كما يمكن توظيف التكنولوجيا كعون للخطاط دون أن تحل التقنية محل اليد الماهرة . لأن “ الخط هندسة روحانية كتبت بآلة جسمانية “ كما يقول الخطاط فريد العلي في أحد حواراته .

على سبيل الختم :

في هذا الختم ، أخلص إلى فكرة مسلما بها في هذا الموضوع الشائك والدقيق والذي لا يقتضي خبطا وعشوائية لا تفضي لأي شيء . الفكرة تقول بأن الخط العربي على ممر التاريخ ارتبط بعلم الهندسة وهو ما يثبت العلاقة التناسبية بين الحروف وأجزائها . وهي فكرة كفيلة بتأكيد دقة وجماليات هذا الفن ، طبعا في حاجة دائمة إلى الإبداع والإضافة ،من خلال مداخل يتملكها الفنان كخلفية للممارسة الخطية.

وقد امتد هذا الفن للعمارة الإسلامية ، من خلال تثبيت وترسيخ حروف عربية قرآنية في المآذن والمساجد والإقامات..فأضحى ذلك قيمة بصرية تعزز أسس الهوية وتعمقها جماليا . فتظهر بحق الدقة ووجازة التعبير في قوالب فنية رائقة . فكثيرة هي الأسئلة التي يثيرها فن الخط اليوم ، في ظل التبدلات والتحولات المتسارعة ، والهادفة الآن في إطار العولمة إلى تنميط العالم ، وإفراغ مساحات الهوية من محتواها . في هذا السياق ، نؤكد مع المفكر محمد عابد الجابري في كتابه “ المسألة الثقافية “ بأن الثقافة لا تخضع للعولمة لأنها موسومة بالتنوع والتعدد . من هذا التعدد الخطوط العربية كأشكال وتصاميم ، كهندسات في المسجد والمدينةوالأبواب…وأكيد، أن هذه الأشكال تطوي على خصوصية محلية ، في علاقتها بالمعتقد وبالمرجعية ؛ لكنها في نفس الآن ذات بعد كوني وإنساني باعتبارها ( تلك الأشكال ) تشخيصا فنيا وابتكارا فرديا وجماعيا . فتنطرح الخطوط كإطارات فنية تمثيلية للدين والحضارة والمكان والزمان.. الحروف بهذا الطرح ،لا تبقى حبيسة حروفها ، بل تشرع ـ على الآخر ـ في تشكيل جمالي يعيد بناء الحروف ، لتكون جديرة بحروفها بالمعنى العميق لهذا التعبير .